ولاية ثانية بلا أغلبية برلمانية.. ماذا سيفعل ماكرون؟

كشفت الانتخابات التشريعية في فرنسا عن صورة مغايرة لما حاول الرئيس إيمانويل ماكرون إظهاره كرئيس لا يساوم على مبادئ الجمهورية، وأبرزها الوقوف في وجه أفكار أقصى اليمين واليمين المتطرف وتغلغلها في الحياة السياسية الفرنسية وفي المجتمع.

صدمة لمعسكر الرئيس

كانت تلك الصورة صادمة أكثر من النتائج التي شكّلت كارثة في معسكر الرئيس، فبعد صدور نتائج الدورة الأولى قبل نحو أسبوع، وجدت شخصيات وازنة في حزبه صعوبة كبيرة في دعوة ناخبيها إلى عدم التصويت لمرشحي التجمع الوطني الذي تقوده مارين لوبان في الدوائر التي خسر فيها مرشحو تحالف “معاً” الرئاسي. وذلك بحجّة أن تحالف قوى اليسار (التحالف الشعبي الاجتماعي والبيئي الجديد) الذي أسسه جان لوك ميلانشون، يشكّل “خطراً على مبادئ الجمهورية” بوصفه تكتلاً متطرفاً وفق وصف رئيسة الوزراء إليزابيت بورن بعد دقائق من صدور نتائج الدورة الأولى.

مرشح يغرد خارج السرب

مرشح وحيد من حزب الرئيس غرّد خارج سرب “معاً” هو كليمان بون، الوزير المنتدب المكلف بالشؤون الأوروبية لدى وزيرة أوروبا والشؤون الخارجية، ونجح بصعوبة في الجولة الثانية التي جرت الأحد الماضي، عندما دعا صراحة إلى “عدم إعطاء أي صوت” لمرشحي مارين لوبان إذا كان خصومهم من تحالف اليسار.

دعوة بون لم تكن مسموعة على ما يبدو، فتخبط معسكر ماكرون وسعيه إلى أغلبية برلمانية تمرر مشاريع الرئيس في البرلمان بأي ثمن، ساهم بشكل كبير في إعطاء آلاف الأصوات إلى مرشحي “التجمع الوطني” من أقصى اليمين، لتعلن لوبان لاحقاً تحقيق أكبر نتيجة في تاريخ الحزب منذ تأسيسه بحصولها على 89 نائباً.

تخلى عن الوسطية

بهذا السلوك تخلى ماكرون عن وسطية وسم بها صورة حزبه “النهضة” (الجمهورية إلى الأمام سابقاً)؛ وسطية كانت بالنسبة إلى كثيرين مجرد خدعة، انكشفت في تفرّد بالسلطة أظهره خلال آخر سنتين من ولايته، عندما استغل حالة الطوارئ في البلاد نتيجة جائحة كورونا، ومرر قرارات بمساعدة وزير داخليته جيرالد درمانان، لم يجرؤ أي رئيس قبله أن يمررها، خصوصاً تلك المتعلقة بقضايا الإسلام وعنف الشرطة وحرية الصحافة من خلال قانون “الأمن الشامل” سيئ الصيت.

واليوم، مع خسارته في تحقيق الغالبية المطلقة، كأول رئيس في ظل الجمهورية الخامسة يعاد انتخابة لولاية ثانية من دون أغلبية برلمانية، يواصل ماكرون حصد الخيبات والتخبط، ما جعله “يخون” فكرة الجبهة الجمهورية، التي شكلتها الأحزاب في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في أبريل الماضي لمنع لوبان من الوصول إلى السلطة. وللمفارقة كانت أصوات ناخبي اليسار الذي يتهمه ماكرون اليوم بالتطرف هي التي حملته إلى قصر الإليزيه لخمس سنوات جديدة، ويومها قاد جان لوك ميلانشون، حملة غير معلنة لصالح ماكرون، متخلياً عن راديكاليته ومقته “للرئيس المتعجرف” بحسب ما يصفه، أمام خطر احتمال فوز لوبان بالرئاسة.

زلزال سياسي

فمنذ اليوم، أصبح وصف “الزلزال السياسي” عنوان كل الصحف الفرنسية، وجملة تردد كثيراً على شاشات التلفزة، والرئيس الفرنسي كان المسؤول الأول عن هذا الزلزال؛ أولاً لأنه فشل بإقناع الناخبين في تقديم الدعم له، وثانياً والأهم أنه ترك الباب مفتوحاً أمام تفاهمات قد يجريها مع أقصى اليمين، وهو ما عبّر عنه صراحة وزير العدل الفرنسي ايريك دوبون موريتي أمس بعد صدور النتائج، وفي ذلك خيبة لن تنسى من ولايتين لرئيس فرنسي، باع أحلاماً عن ازدهار وتقدمية ورخاء، لكن ما تحقق في النهاية كانت أحلام لوبان، التي كانت تملك مقعدين فقط في البرلمان قبل وصول ماكرون إلى السلطة، فرفعتها إلى ثمانية مع استلامه مفاتيح قصر الإليزيه عام 2017، وإلى 89 اليوم.


Source link

About admin

Check Also

هبوط مبيعات المنازل القائمة في أمريكا إلى أدنى مستوى خلال عامين

الخميس 21 يوليو 2022 | 06:05 صباحاً مبيعات العقارات في أمريكا شهدت مبيعات المنازل القائمة …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *